أحمد بن علي القلقشندي
356
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وموافقة أواخره لمباديه ، مع قلَّة ضروراته بل عدمها أصلا ، حتّى لا يكون لها في الألفاظ أثر ، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه ، وجودة مقطعه ، وحسن رصفه وتأليفه ، وكمال صوغه وتركيبه ؛ فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة والجزالة والسّهولة والرّصانة مع السّلاسة والنّصاعة ، واشتمل على الرّونق والطَّلاوة ، وسلم من ضعف التأليف ، وبعد من سماجة التركيب ، صار بالقبول حقيقا ، وبالتحفّظ خليقا ؛ فإذا ورد على السمع المصيب استوعبه ولم يمجّه ، والنفس تقبل اللطيف ، وتنبو عن الغليظ ، وتقلق عن الجاسي ( 1 ) البشع ؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه وتنفر عما يضادّه ويخالفه ؛ والعين تألف الحسن ، وتقذى بالقبيح ؛ والأنف يرتاح للطَّيب ويعاف المنتن ؛ والفم يلتذّ بالحلو ، ويمجّ المرّ ؛ والسمع يتشوّق للصوت الرائع ، وينزوي عن الجهير الهائل ؛ واليد تنعم بالليّن ، وتتأذّى بالخشن ؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف ، ويسكن إلى المألوف ، ويصغى إلى الصواب ، ويهرب من المحال ، وينقبض عن الوخم ( 2 ) ، ويتأخّر عن الجافي الغليظ ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب والرويّة الفاسدة . قال : وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربيّ والأعجميّ ، والقرويّ والبدويّ ، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه ، وحسنه وبهائه ، ونزاهته ونقائه ، وكثرة طلاوته ومائه ، وصحة السبك والتركيب ، والخلوّ من أود ( 3 ) النظم والتأليف ؛ وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتّى يكون على ما وصف من نعوته التي تقدّمت . ألا ترى أن الخطب الرائعة ، والأشعار الرائقة ، لم تعمل لإفهام المعاني فقط ، لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الإفهام ؛ وإنما يدلّ حسن الكلام ، وإحكام صنعته ، ورونق ألفاظه ، وجودة مقاطعه ، وبديع مباديه ، وغريب مبانيه ، على فضل قائله ومنشيه . وأيضا فإن
--> ( 1 ) الجاسي : الصلب والخشن ( وسيط 122 ) . ( 2 ) الوخم : المتخم ( وسيط 1019 ) . ( 3 ) أود : عوج .